القرطبي

242

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم ، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام . روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه . ( يغشى ) قرئ بالياء والتاء . الياء للنعاس ، والتاء للأمنة . والطائفة تطلق على الواحد والجماعة . ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني المنافقين : معتب بن قشير وأصحابه ، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ، ويقولون الأقاويل . ومعنى " قد أهمتهم أنفسهم " حملتهم على الهم ، والهم ما هممت به ، يقال : أهمني الشئ أي كان من همي . وأمر مهم : شديد . وأهمني الامر : أقلقني : وهمني : أذابني ( 1 ) . والواو في قوله " وطائفة " واو الحال بمعنى إذ ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، وأنه لا ينصر . ( ظن الجاهلية ) أي ظن أهل الجاهلية ، فحذف . ( يقولون هل لنا من الامر من شئ ) لفظه استفهام ومعناه الجحد ، أي ما لنا شئ من الامر ، أي من أمر الخروج ، وإنما خرجنا كرها ، يدل عليه قوله تعالى إخبارا عنهم : " لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ها هنا " . قال الزبير : أرسل علينا النوم ذلك اليوم ، وإني لاسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الامر شئ ما قلنا ها هنا . وقيل : المعنى يقول ليس لنا من الظفر الذي وعدنا به محمد شئ . والله أعلم . قوله تعالى : ( قل إن الامر كله لله ) قرأ أبو عمرو ويعقوب " كله " بالرفع على الابتداء ، وخبره " لله " ، والجملة خبر " إن " . وهو كقوله : " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " [ الزمر : 60 ] ( 2 ) . والباقون بالنصب ، كما تقول : إن الامر أجمع لله . فهو توكيد ، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم ، وأجمع لا يكون إلا توكيدا . وقيل : نعت للامر . وقال الأخفش : بدل ، أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء . وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " يعني التكذيب بالقدر . وذلك أنهم تكلموا فيه ، فقال الله تعالى : " قل إن الامر كله لله " يعني القدر خيره وشره من الله . ( يخفون في أنفسهم ) أي من الشرك

--> ( 1 ) أي حزنة الامر حتى إذا به . ( 2 ) راجع ج 15 ص 273 .